سميح عاطف الزين
492
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
لقد هانت الدنيا على أولئك الناس ، فراحوا يفتّشون عن وسيلة يستعينون بها على ما يصيبهم ، فلم يجدوا إلّا الحجارة يضعونها على بطونهم الخاوية اتّقاء للآلام التي تنهش أمعاءهم ، أو الخرق البالية يعصبون بها رؤوسهم ، لتخفيف الأوجاع التي لا تفارقهم . . . وكان نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو أول من شدّ الحجر على بطنه ، حتى يكون مثالا يقتدى به فتخفّ على الآخرين أوجاع أجسامهم ، وجراحات نفوسهم . وهو أول من دعا الشباب ، والرجال لكي يضربوا في البراري سعيا وراء نبات الأرض والأعشاب الصالحة للأكل ، يسدّون بها رمق أكثرهم حاجة ، وأشدهم دنّوا من الهلاك . وكيف لا تهون الدنيا على المسلمين ، وهم أعزّة على الكافرين الذين سعوا إلى طردهم ؟ وكيف لا تهون الدنيا على بني هاشم ، وبني المطلب وهم أصحاب الثروات ، والمواشي ، وأهل البيوت المفتوحة على مصاريعها ، يقرون الضيف ، ويطعمون الجائع ، وينصرون المظلوم ، ويؤون السائل والمحتاج . . بل أليسوا هم الأسياد الذين كانوا يسوسون الناس ، فلا أمر يقطع في مكة إلا برضاهم ، ولا شيء يقام إلّا بإرادتهم ، توارثوا مناصب الكعبة ومقاليد مكة أبا عن جد ، حتى صارت لصيقة بهم طوال حقبات من الزمان . . . تهون عليهم الحياة بأسرها ، وقد طردتهم قريش إلى الشّعاب ، ووصلوا إلى تلك الحالة من البلاء . ولكنّ ما حلّ بأهل الشعاب ، وما أصابهم ، كان في مقياس المكرمات وساما لهم على جبين الدهر ، لأنهم ظلوا يحافظون على العهد الذي قطعوه لشيخهم أبي طالب ، ويتوشحون بكلمة الشرف التي